- : "إذا لم تستحي فاصنع ما شت"
- ١. حقيقة الأثر وثبوته
- · ليس حديثاً نبوياً، بل هو أثر مروي عن الصحابة، ويُنسب غالباً إلى سيدنا أبي مسعود الأنصاري أو سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنهما.
- · صيغته المشهورة: "إذا لم تستحي فاصنع ما شئت"، وهي ليست أمراً بإطلاق العنان للنفس، بل هي جملة شرطية تحمل وعيداً شديداً.
- ٢. المعنى اللغوي والدلالي
- · "إذا لم تستحي": أي إذا فقدت صفة الحياء من قلبك، وتجردت من الشعور بالخجل من الله ومن الناس.
- · "فاصنع ما شئت": هذا ليس إذناً، بل هو تهديد ومجازاة، وكأنه يقول: افعل ما تشاء، فالله سيجازيك عليه، ولن تجد في نفسك رادعاً يمنعك.
- ٣. المعنى الإيماني العميق
- · الحياء خلق الأنبياء، وهو شعبة من شعب الإيمان كما في الحديث الصحيح: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان".
- · وظيفة الحياء: كابح داخلي يمنع المؤمن من ارتكاب القبيح، حتى في الخلوات.
- · فإذا انعدم هذا الكابح، يصبح الإنسان كالبهيمة، لا يمنعه دين ولا مروءة من فعل أي منكر.
- ويقول الشاعر في وصف الحياء كتاج للكرامة:
- وَالحَيَاءُ تَاجُ المَرءِ يَحمي عِرْضَهُ ... وَيَزينُهُ في كُلِّ مَجمَعِ مَجالِسِ
- (الحياء تاج الرجل يحمي عرضه، ويزينه في كل مجلس).
- ٤. أنواع الحياء التي يفقدها الإنسان
- · الحياء من الله: ألا يراك حيث نهاك، وألا يفقدك حيث أمرك.
- · الحياء من الملائكة الكرام الكاتبين: تستحي أن يسجلوا عليك المعاصي.
- · الحياء من النفس: ألا تهبط بها إلى دنيا الشهوات المحرمة.
- · الحياء من الناس: ألا تسوء سمعتك بينهم.
- عند فقدان هذه الأنواع، يصير الإنسان وقحاً جريئاً على المعاصي.
- ٥. لماذا قال "فاصنع ما شئت" وليس "فافعل المعاصي"؟
- لأن من فقد الحياء:
- · يصبح لا مبالياً، فلا فرق عنده بين حلال وحرام.
- · تتساوى عنده الطاعات والمعاصي في الميزان.
- · تكون عاقبته الخسران المبين، لأن الله يمهل ولا يهمل.
- فهي صيغة تهديد على غرار قوله تعالى: "اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ" (فصلت: ٤٠)، وهي وعيد لمن استمر في كفره أو فسقه.
- ويصف الشاعر حال من سلب حياءه:
- إِذَا لَمْ تَخَفْ رَبَّ السَّمَاوَاتِ فَاصْنَعَنْ ... مَشِيئَتَكَ، فَاللَّهُ يَجْزِي بِمَا تَصْنَعْ
- وَلكِنَّ مَنْ يَخْشَى الإِلَهَ يَحُجُّهُ ... حَيَاءٌ إِذَا مَا جَارَ فِي القَوْلِ أَوْ قَطَعْ
- (إن لم تخف رب السماوات فافعل ما تشاء، فالله يجازيك، لكن من يخش الله يحجزه حياء إذا جار في القول).
- ٦. صور من سلب الحياء في واقعنا
- · التجرؤ على المعاصي في العلن.
- · الاستهانة بالذنوب الصغيرة.
- · التحدث بالفواحش دون حياء.
- · التبرج والسفور المحرم.
- · الغيبة والنميمة دون خجل.
- · التساهل في الصلاة والعبادات.
- كل هذه مظاهر لغياب الحياء، ودليل على قسوة القلب.
- ويقول الشاعر في وصف السفاهة وقلة الحياء:
- وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ ... وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ
- وَمَنْ يَأْتِ بِفَاحِشَةٍ جِهاراً ... فَقَدْ سَقَطَ الحَيَاءُ وَفَاتَ أَدْبُهُ
- (من قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن يأت بفاحشة جهراً فقد سقط حياؤه وضاع أدبه).
- ٧. الحياء ليس ضعفاً، بل قوة وعزة
- · الحياء يرفع قدر صاحبه، كما قال النبي ﷺ: "الحياء لا يأتي إلا بخير".
- · هو دليل على حياة القلب وتقوى النفس.
- · من استحيا من الله في السر، استحيا الله منه في العلن، وأعزه وأكرمه.
- ويقول الشاعر مدافعاً عن الحياء كقوة:
- أَلَا إِنَّ الحَيَاءَ لَهُ سِلَاحٌ ... يُقَاتِلُ بِالشَّهَوَاتِ النَّوازِعِ
- فَمَنْ يَخْلَعْ جِلْبَابَ الحَيَاءِ ... يَصِرْ عُرْياً وَإِنْ لَبِسَ المَدامِعِ
- (ألا إن الحياء له سلاح يقاتل به الشهوات، فمن يخلع جلباب الحياء يصر عرياً ولو لبس الثياب).
- ٨. عاقبة من فقد الحياء
- · ذل في الدنيا، وفقدان الاحترام بين الناس.
- · قسوة القلب وعدم التأثر بالمواعظ.
- · حرمان من التوفيق، وطبع على سمعه وبصره.
- · سوء الخاتمة والعياذ بالله، لأنه اعتاد المعصية حتى أصبحت طبعاً.
- ويقول الشاعر في سوء عاقبة الوقاحة:
- وَمَنْ يَفْعَلِ السَّوْآتِ جَهْراً بِلَا حَيَا ... فَقَدْ أَهْلَكَ الدُّنْيَا وَأَتْلَفَ آخِرَهْ
- سَيَلْقَى جَزَاءً لَا يُحَدُّ عَذَابُهُ ... إِذَا مَاتَ وَانْقَطَعَتْ عَنْهُ مَآثِرَهْ
- (من يفعل السيئات جهراً بلا حياء فقد أهلك دنياه وأتلف آخرته، سيلقى جزاءً لا يُحد عذابه إذا مات).
- ٩. كيف نستعيد الحياء؟
- · مجاهدة النفس على ترك المعاصي ولو مرة.
- · كثرة ذكر الله والتفكر في عظمته ومراقبته.
- · صحبة الصالحين الذين يذكرونك بالله.
- · قراءة القرآن بتدبر، فهو يحيي القلوب.
- · تذكر الموت والوقوف بين يدي الله.
- ويختتم الشاعر هذه المعاني بدعوة إلى التخلق بالحياء:
- عَلَيْكَ بِالحَيَاءِ فَإِنَّ خُلْقاً ... حَيَاءُ المَرْءِ يَحْمِيهِ العُيُوبَا
- وَإِيَّاكَ وَالسَّفَاهَةَ، إِنَّهَا ... تُمِيتُ الرُّوحَ وَاهِيَ والتُّيُوبَا
- فَخُذْ مِنْ رُوحِكَ العُذْرَى حَيَاءً ... تَكُنْ فِي النَّاسِ مَذْكُوراً مَهِيُوبَا
- (عليك بالحياء فإنه خلق يحمي من العيوب، وإياك والسفاهة فإنها تميت الروح، فخذ من روحك البريئة حياءً تكن في الناس مذكوراً مهوباً).
- ---
- ١٠. الخاتمة الجامعة
- هذا الأثر جرس إنذار، يقول لك:
- · إن كنت لا تستحي من الله، فأنت على شفا هلكة.
- · فإن أصررت على ذلك، فاعلم أن الله سيجازيك على ما تصنع، ولن ينفعك حينئذ ندم.
- · فبادروا بالتوبة قبل أن يفقد القلب حياءه، فتفقدون خير ما فيكم.
- وصلى الله على سيدنا محمد، الذي كان أشد حياء من العذراء في خدرها، وعلى آله وصحبه وسلم.

إرسال تعليق